الشيخ محمد رشيد رضا
318
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إذا في غزوة أحد كيف وقد كان فيهم بأحد المنافقون وضعفاء الايمان ؟ يثبت لك هذا ما أنزله اللّه تعالى في شأن غزوة أحد من الآيات ، فقد بين فيها أن ما أصاب المسلمين انما أصابهم بذنوب بعضهم ، إذ خالف الرماة أمر نبيهم وقائدهم ، وتنازعوا واختلفوا في أمرهم ، وان الأيام دول ، والعاقبة للمتقين ، فهم الذين يتعظون بالحوادث فلا يعودون إلى مثل ما عوقبوا به . وقد قال تعالى في فاتحة سياق هذه القصة ( 3 : 137 قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ 138 هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ 139 وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ 140 إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ 141 وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ) ثم قال ( 152 وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ، حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ ) الخ آية 155 ثم قال ( 165 أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا ؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) الخ فأنت ترى أن هذه الآيات تبين لنا سنته تعالى في البشر ، وان الجزاء انما يكون على الاعمال ، لا على الأسماء والألقاب ، وهذا هو الذي يصدقه الوجود وتشهد به تواريخ جميع الأقوام والأجيال ، غاية الأمر ان شأن أهل الايمان الصحيح والدين القيم أن يكونوا أعرف بسنن اللّه تعالى في خلقه ، فتكون ذنوبهم التي يعاقبون بها موعظة يتعظون بها ، وتمحيصا يكمل نفوسهم بالعبر ويعلي شأنها ، وان يكونوا من المتقين لكل ما جعله اللّه سببا للخيبة والخسران ، كالظلم والبغي والعدوان ، والتنازع والتفرق والغرور وعدم النظام . وبهذا يكونون من أحباء اللّه تعالى ويكون ما حل بهم من قبيل تربية الوالد لولده ، ولا يحسن أن يسمى تعذيبا ، لان مرارة الدواء الذي يشفيك من السقم ، ليس كالسوط الذي لا يصيبك منه الا الألم . ومن راجع تفسير هذه الآيات في الجزء الرابع من تفسيرنا هذا يتجلى له الحق في ذلك تمام التجلي . ولكن المسلمين لم يعتصموا بهذا البيان ، فينقوا غرور أهل الكتاب ، بل اتبعوا سننهم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، إلى أن آل الامر إلى